ماذا يعني تشكيل مجلس السلام لـ غـ ـزة؟
خاص – نبض الشام
أثار إعلان البيت الأبيض عن تشكيل “مجلس السلام” لإدارة مرحلة إعادة إعمار غزة موجة واسعة من التساؤلات حول الأهداف الحقيقية لهذا الكيان الجديد. فالمجلس الذي يرأسه الرئيس الأميركي دونالد ترامب لا يبدو مجرد هيئة تنموية مؤقتة، بل يحمل في تركيبته إشارات واضحة إلى مشروع سياسي شامل يسعى لإعادة هندسة الواقع الإداري والأمني في القطاع بعد الحرب.
المهام
وفق البيان الأميركي، يتولى المجلس الإشراف المباشر على إعادة إعمار غزة عبر لجنة تكنوقراطية تُدير الشؤون اليومية وتعمل على استعادة الخدمات الأساسية وبناء مؤسسات مدنية جديدة تمهيداً لتسليم الإدارة لاحقاً إلى سلطة فلسطينية “مُصلحة”. هذا الطرح يضع غزة فعلياً تحت إدارة دولية انتقالية تتجاوز السلطة الفلسطينية الحالية وتقصي الفصائل المسلحة، ما يعكس توجهاً لخلق واقع حكم جديد مفصول عن البنية السياسية التي سادت منذ 2007.
خفايا الخطة
تشكيلة المجلس التنفيذي تعطي صورة أوضح لطبيعة المشروع. وجود شخصيات دولية مؤثرة مثل جاريد كوشنر وستيف ويتكوف وتوني بلير يشير إلى أن الرؤية تستند إلى مفهوم “السلام الاقتصادي” كمدخل لتغيير البيئة السياسية. كما أن تعيين نيكولاي ملادينوف ممثلاً سامياً لغزة يعكس توجهاً لوضع القطاع تحت وصاية دبلوماسية دولية شبيهة بنماذج إدارة ما بعد النزاعات في مناطق أخرى. في المقابل، فإن تعيين قائد لقوة استقرار دولية يوضح أن واشنطن تتوقع فراغاً أمنياً طويلاً وتستعد لإدارته عسكرياً بشكل مباشر أو غير مباشر.
صراع نفوذ
الرفض الإسرائيلي العلني للمجلس لم يكن بسبب فكرة الإعمار بحد ذاتها، بل نتيجة تركيبة المجلس التي أُعلن عنها دون تنسيق مسبق مع تل أبيب، إضافة إلى إشراك أطراف تعتبرها إسرائيل غير مرغوب بها مثل تركيا وقطر. هذا الاعتراض يكشف أن المعركة لم تعد فقط حول من يسيطر على غزة، بل حول من يملك حق تشكيل نظامها السياسي الجديد بعد الحرب.
مستقبل غزة
ما يجري يشير إلى أن غزة تتجه نحو مرحلة انتقالية طويلة تُدار دولياً تحت عنوان إعادة البناء، لكن جوهرها الحقيقي هو إعادة صياغة السلطة والنظام السياسي داخل القطاع. المجلس قد يكون بوابة لإبعاد القوى المحلية وإدخال ترتيبات حكم دولية مشروطة بالتمويل والاستقرار الأمني، ما يجعل مستقبل غزة رهيناً لتوازنات إقليمية ودولية أكثر من كونه قراراً فلسطينياً خالصاً.
مجلس السلام لغزة يمثل نقطة تحول خطيرة في مسار القضية الفلسطينية داخل القطاع، إذ يجمع بين الإعمار والسياسة والأمن في إطار دولي تقوده واشنطن. وبينما يُقدم كخطة لإنقاذ غزة، فإنه في العمق يعيد تشكيل هويتها الإدارية والسياسية بطريقة قد تؤسس لمرحلة وصاية طويلة تتجاوز الإرادة المحلية وتفتح الباب أمام صراع جديد عنوانه من يحكم غزة بعد الحرب.
“متابعة أسرة تحرير نبض الشام”




